Search

drawings #2

« رسومات » زرو تعید كتابة التاریخ
محمد الخضیري
في زمن تنمحي فیھ الذاكرة الجماعیة ببطء مُخَل ِّفَةً فقدان ذاكرة یُخیّم بظلھ على الحاضر، ینبري عزیز زرو للتاریخ ویعید صیاغتھ. لِنَقُل كتابتھ أو رسمھ. فالأعمال الفنیة التي تضمھا مجموعة « Drawings » تبدو ابنة للتاریخ المغربي وتجد فیھ معناھا. لكنھا أیضا ولیدة سِیَاقٍ، عالميّ، یحتفي بالذاكرات المُحطّمة والمھزومة في معارك الكولونیالیة، لكن البطلة، دوما، بمنظار أحفادھا الذین یواجھون ویقامون الراھن المتوثب أمامھم. زرو وَرِیثُ ھذه الذاكرة التي یصنع
منھا أعمالا جدیدة تعید تَمَل ُّكَ التاریخ المغربي.
في إعادة التملك للتاریخ ھذه، یبدو فعل المقاومة واضحا لدى زرو. فھو لا یبني الجسور فقط انطلاقا مما كان في الماضي، بل باستحضار واع لإشكالیات زمننا الحاضر. سلسلة الرّسمات تستعید تاریخا بعیدا/قریبا وتعید التقابل معھ، بوصفھ سلسلة من الأحداث التي فَعَلت فعلھا في الذاكرة الجماعیة. ومن ھنا تبدو فرادة المجموعة التي تقاوم بطریقتھا الخاصّة النسیان الذي یستبد بالذاكرة الجماعیة في ظل غیاب « أرشیف تاریخي » متاح للعموم عن حقبة ھامة من المغرب، ھي فترة
الحمایة في النصف الأول من القرن العشرین.
یجب أن ننتبھ منذ البدایة إلى أن الرسومات التي تشكل المجموعة الفنیة ھنا تُحَد َّدُ انطلاقا من الحقبة التي تعمل علیھا. فھي تعید صیاغتھا بقالب جدید وتجد
مرجعیاتھا في ظرف تاریخي معین و »مادة أرشیفیة » معینة تشتغل علیھا. إذن نحن لسنا أمام « قراءة » لنَص ٍّ تاریخي، أو صورة )سمعیة بصریة( یحبل بھا الأرشیف الكولونیالي، أو روایات شفھیة تحفظھا الذاكرة الشعبیة. بل أمام مقابلة/ مواجھة مع رسوم استشراقیة خطتھا أیادي رسامي الجرائد الفرنسیة في منعطف نھایة القرن التاسع عشر وبدایة القرن العشرین. وھي في غالبیتھا مستخرجة من
أرشیف الصحافة الفرنسیة. ویخص الأمر ھنا جریدة « لو بوتي جورنال ».
وھي الجریدة الباریسیة المحافظة التي تأسست سنة 1863 ولفظت أنفاسھا سنة 1944. وتعود الرسوم التي یستخلصھا الفنان، لیعید إنتاجھا، إلى الحقبة الذھبیة للجریدة )بدایات القرن العشرین إلى حدود بدایة الحرب العالمیة الأولى سنة
1914(. فقد كانت تبیع ملیون نسخة حینھا.
حبر وبارود
كانت ھذه الرسومات على الصفحات الأولى للجریدة، تحاول تارة الدعایة لفرنسا التي ستجلب « الحضارة » إلى المغرب )وباقي المستعمرات(، وتارة لترویج أخبار الانتصارات العسكریة للجیش الفرنسي.
مِئَة عام، بعد إنتاجھا في سیاق الاستعمار الفرنسي للمغرب وباقي مناطق إفریقیا وآسیا یعید زرو استعمالھا. وأَي ُّ تقنیة للإقدام على ذلك أفضل من تقنیة « الرسم بالبارود ». إنھا الممارسة الفنیة التي تنبني على الرسم بالبارود على ورق ثم إحراقھ، لیترك « أثرا » على اللوحة. ھنا، في مجموعة « رسومات »، تتحول الصورة المرسومة من طبیعتھا الأیقونیة إلى مُرَك َّزٍ من المشاعر وتتوازى مع الحدث الأصلي. وكأن ھناك رغبة في رسم ما یشبھ « الصورة الإشعاعیة » لھذا
الماضي المُتْعَب والمریض.
في أغلب الرسوم یُخْرِجُ الفنان الشخصیاتِ من الفضاء الذي یَظْھَرُ في الر ُّسوم الأصلیّة. وكثیرا ما یحذف الخلفیات التي وراءھا. لیس لإكراھات تقنیة بل بفضل اختیار یضمن للشخصیات داخل الرسوم الحیاد بین المنتصرین والمنھزمین في التاریخ، ویعید لھؤلاء الأخیرین كرامتھم. فلا نرى المناظر في خلفیة الصورة ولا المباني إلاّ نادرا، لكنھا حینما تحضر تشیر إلى علاقة الھیمنة وھُوِی َّة المكان: دب َّابة، مدفع، مسجد، قصبة. إنھ بسط النفوذ التدریجي والعلاقة غیر المتكافئة بین
الأھالي والجیش الفرنسي.
یُفَك ِّكُ الفنان في سلسلة الأعمال الصورةَ الاستعماریةَ. وھي الأعمال التي لا یمكن تأویلھا بمعزل عن وَحْدَتِھا. فَتُقْرَأ الواحدة منھا بالأخرى وتُفھَمُ انطلاقا من كونھا جزءاً من مجموعة. فالأعمال ھي مُحَص ِّلَةٌ لتفكیر نَظَرِيّ بناه الفنان بشكل تدریجي منذ الخطوات الأولى في مساره الفني، ویجد اشتباكھ ولُحْمَتَھُ في مجموعة « Drawings ». مما نراه في الأعمال بورتریھ للسلطان مولاي عبد العزیز، وصورة « إخباریة » لإعدام مقاوم وفي أخرى نرى خضّارا في جلبابھ التقلیدي أو جندیا من « الرماة السینغالیین ». ومن رسم إلى أخر نبصر محطات من التاریخ الاستعماري ولحظاتھ الفارقة. إن التاریخ الحافل الذي نراه ینبعث في
الأعمال، وقد صار شبھ غائب عن المجال العام والذاكرة الرسمیة.
من نحن؟
منذ أعمالھ الأولى لا یَكَلّ عبد العزیز زرو عن البحث في سؤال الھویة المغربیة المعاصرة. ولربما السؤال الذي یقارع في أعمالھ المختلفة أكثر من أي أمر آخر ھو « من نحن؟ » لنعد مثلا إلى عملھ « درس الرسم » )2014(. إنھ عمل یُقْدِم على نفس المقاربة وإن بشكل مختلف. فھو یستعیر دروس الرسم في المدارس الابتدائیة عن الكفار والمسلمین في عصر الدعوة الإسلامیة، ویرسمھا في جداریة
كبیرة. ھنا شكل من أشكال السخریة والنقد والمساءلة في الآن ذاتھ أمام محتوى المناھج التعلیمیة التي تصنع الأنا الجمعي للمغاربة. سؤال الـ »نحن » یبدو حاضرا بشكل كبیر في أعمال الفنان الذي یصغي إلى التجارب الفنیة في دول الجنوب الكبیر )التجارب الإفریقیة والآسیویة وفي أمریكا اللاتینیة(، وإلى الكتابات النظریة عن « التحرر من الكولونیالیة »، التي تجعل بدایة التحرر من الإرث
الكولونیالي في إعادة كتابة التاریخ.
وھو ما نراه مع عملھ » revolution « الذي یعود إلى سنة 2012، ویستوحي الانتفاضات في العالم العربي، فیما أسمي بـ »الربیع العربي ». في العمل وھو تجھیز من مصابیح نیون یحول الكلمة إلى دلالة أخرى من خلال اللونین الأبیض والأحمر. فنحن أمام كلمة ثورة، لكن بقَلْبِ اتجاه حرف L نصیر أمام « الحب الثوري ». وھي الكلمة التي تستعمل كثیرا في أدبیات المناضلین ضد
العولمة وخاصة في صفوف المناھضین للمیز العنصري في المجتمع الأمریكي.
إنھ ھذا الانفتاح على ھذه المواضیع ما یجعل زرو مھتما بھذا الـ »نحن » الجماعي ومآلات عصرنا، وما جعلھ یُقْدِم على مغامرة فنیة أخرى مرتبطة بالاجتماعي والثقافي عبر مشروع « مطرزات الراھن ».
برفقة الفنانة السویسریة أغلایي ھارتز التقي الفنان مجموعات من النساء في مشروع « مطرزات الراھن » )2013(، الذي جعل من اللقاء بین الط َّرْز )الحیاكة التقلیدیة( وبین الفن المعاصر ممكنة. بعد لقاءات مكثفة بنساء تمخض عنھا تسجیل شھادات، طلب الفنان ورفیقتھ من خَی َّاطات تقلیدیات حیاكة « موتیفات »
مختلفة عن تلك التقلیدیة التي تتناقلھا النساء المغربیات منذ قرون.
ھذا التجریب الذي نراه عند فنانین معاصرین مغاربة، یجد فرادتھ عند زرو من خلال تحریر جرأة نساء من الطبقات الشعبیة، وطرح سؤال شائك في المجتمع المغربي ھو سؤال الجنسانیة لدى النساء والعذریة. ولا تخلو الأعمال المنجزة في « مطرزات الراھن » من تحریك للخطوط « الحمراء » نحو حریة أكبر كما ھو حال السراویل النسائیة التقلیدیة التي تحمل الخریطة المغربیة علیھا وتذكرنا
بـ »الدم » الدال على العذریة.
فنان « الأیقونات »
لا تقتصر أعمال مشروع « رسومات » على استعادة التاریخ بوصفھ أحداثا كبرى. بل تحاكي أیضا موتیفات وصورا تحیل على أحداث « صغرى ». ھكذا نرى محاكاة لـ »بومة » ألبریخت دورر )سنة 1508( تُجاور لوحة عن الرحلة السفاریة لـ »ابن عائشة » إلى فرنسا، ورسما من القصص المصورة یلتقي فیھ الملاكم الأسطوري محمد علي كلاي بشخصیة سوبرمان. بینما تعیش غزالات، رسمھا
السجناء السیاسیون السابقون في معتقل قلعة مكونة، حیاة ثانیة بفضل رسم للفنان.
إضافة إلى ھذا یفرد زرو جزءا كبیرا للعصر الوسیط، مع ابن الھثیم والمنمنمات الفارسیة، أو لوحات استشراقیة ترسم ملامح ھذا الشرق المتخیل. ومن خلال الأعمال، نلحظ الوعي ذاتھ بالتاریخ، الذي صار رمزا لأعمالھ. حتى في تلك التي تستوحي البوب آرت، بألوانھا وتصمیماتھا الغرافیكیة التي اختبرھا في تجارب سابقة تستحضر التاریخ وصانعیھ )كماركس الذي یتوسط راحة الید في عمل
« كف »(.
ومن أعمال الفنان التي استعادت توظیف التاریخ نذكر: »المِرآة الجماعیة »، أو « كاھنة »، أو « عالم جدید » أو « الحرب لیست لعبة ». في ھذه الأعمال یستمد الفنان
زاده من ثقافة البوب آرت ومن خلال برامج الغرافیك، ویعطینا لمحة معاصرة عن أجزاء تكون الھویة المغربیة. إنھا أیقونات لھا دلالة لا تخطئھا عین الذي أبصرھا في واقعھ الیومي. إنھا الأیقونات التي تستمد طاقتھا من التفاصیل
الیومیة التي عایشھا الكثیر من المغاربة ینفخ فیھا روحا.
ولربما تمیز ھذه الخاصیة الفنان بشكل كبیر. فھو ینطلق من الخاصیة المغربیة، لینوع علیھا، ویدخل بھا إلى مجال الفن المعاصر. فینطلق من « الحمیمي » إلى « الكوني »، ویصارع ھذا المحو المُمَنْھج الذي تعیشھ بلادنا لیعید كتابة التاریخ.
بعیون مغربیة!